نموذج الشاعرة مالكة عسال من خلال قصيدتها (الشرخ الوردي)في حقيقة الأمر، أن مالكة عسال جاءت متأخرة إلى عالم الكتابة، حيث تؤرخ بدايتها الإبداعية والأدبية، كما تؤكد في نبذتها المنشورة بمدونتها على الشبكة العنكبوتية، باجتياح الولايات المتحدة الأمريكية للعراق، سنة 2003، حيث أبدعت قصيدتها الأولى، التي عنوانها (فلسطين)، على هذا الأساس، فإن فهم تجربة هذه الشاعرة المغربية، لا يتم إلا من خلال هذا المعطى، الذي حفزها على ولوج عالم الكتابة، وهو حافز يمتزج فيه الذاتي بالسياسي، الهوياتي بالإنساني، وهذا ما سوف يطبع أغلب نصوصها الشعرية، التي ولو أنها تبدو موغلة في الذاتية، فإنها تحيل بكيفيات أسلوبية ومعنوية متنوعة على مختلف القضايا الوطنية والعربية والإسلامية والإنسانية.
هكذا فإنه رغم أن الشاعرة مالكة عسال لم تنظم أول أشعارها إلا وهي في عقدها الخمسيني، فإنها تمكنت في مدة وجيزة من أن تحضر بشكل لافت في المشهد الثقافي المغربي والعربي، بكل تجلياته الأدبية والثقافية والإعلامية والتواصلية، مما يميزها كثيرا عن قريناتها من شواعر المغرب، تجربة وحضورا، ففيما يتعلق بتجربتها الأدبية عامة، والشعرية خاصة، يلاحظ أنها ولدت مكتملة، كما أن الشاعرة استغرقت كل تلك العقود الطويلة التي سبقت ظهور تجربتها، تشذب ملكتها الإبداعية في خفاء، وعندما توفرت لها التربة المواتية، وتأتت لها الحوافز الكافية، كشفت عما كان يستقر في دواخلها من معان جميلة وأفكار نظيفة ومشاعر صادقة، أما فيما يرتبط بجانب الحضور، فيبدو أنه مع قصر هذه التجربة الشعرية، فإن صاحبتها تحضر بشكل كثيف في مختلف المنابر الأدبية والإعلامية، من جرائد ومجلات ومنتديات وأنشطة ثقافية وغير ذلك. وهذا ما يجعلها تنفرد عن مثيلاتها من شواعر المغرب المعروفات، اللواتي لم يلجن بعد التجربة الرقمية الجديدة. إن هذه القراءة تتوخى تناول تجربة الشاعرة مالكة عسال من خلال قصيدتها (الشرخ الوردي)، وهي تعتبر من بين القصائد الأولى المنشورة في مجلة الفوانيس، حيث خصصت صفحة للشاعرة في زاوية (كتاب الفوانيس)، وقد انصب الاختيار على هذا النص الشعري، بدافع أنه يعد من بين أهم النصوص المنشورة في مجلة الفوانيس، التي تستجيب لجملة من المعايير الدلالية والجمالية والإيقاعية، وهذا ما سوف نعمل على تجليته عبر معاقد هذه القراءة. إن أول ما تقع عليه عين قاريء هذا النص، هو العنوان الجميل الذي اختارته الشاعرة لقصيدتها، وهو نحويا يتركب من اسم وصفة (الشرخ الوردي)، أما بلاغيا، فهو عبارة عن استعارة جمالية، تجعل القاريء أمام معنى جديد، لم يسبق له أن اطلع عليه، لأن الشرخ شيء غير مرئي وغير ملموس، في حين أن اللون الوردي شيء مرئي بالنظر، فكيف يمكن نعت شيء لا مرئي بشيء مرئي! مما يكسر توقع القاريء، ويدخله في دائرة اللا توقع، ثم إنه إذا سلمنا بأنه يمكن في بعض الأحايين تلوين المشاعر والمجردات، فإن ذلك التلوين ينبغي أن يكون مناسبا لطبيعة الشيء الموصوف، فيكون الشرخ أسود أو أزرق أو رماديا، لا ورديا كما أرادت الشاعرة! فما سر هذا الوصف بالجميل لشيء يوحي بالخوف والانفصام والتباعد؟ عن هذا الاستفهام سوف تحاول القصيدة عبر مقاطعها الخمسة الإجابة، حيث أنه أثناء كل مقطع شعري ينشأ شرخ ما، بشكل متدرج أو بشكل طاريء، لكن سرعان ما يلتئم هذا الشرخ، بيد بيضاء تظهر كلما امتدت مسافة التوتر، فلنلاحظ كيف تعمل هذه اليد البيضاء في كل لحظة بردم هذا الشرخ، وتعبيد الفجوة النفسية الناتجة عنه. مقطع 1: بعدما عصفت الأدهر بالذات، ورمت بها على شاطيء الغربة، وبين مخالب النسور... ومنحتها شعلة متوحشة، تظهر اليد البيضاء، كما نقرأ في المقطع الأول من القصيدة: لكـــن يـــدا بيضـــاء انتشلتنـــي وعـــن جبينـــي مسحـــت الغبـــار ... فتبســـم أفقـــي وزاد داخلـــي اشتعـــالا... (...) مقطع 2: بعدما انزلقت الذات من بؤبؤ الأسى، وتدفقت من تلابيب الأزمنة المغلقة، وسقطت دمية فوق طرقات الخوف، تطلع من جديد هذه اليد البيضاء، كما نلمس في المقطع الثاني: لكـــن يـــدا بيضـــاء نفخـــت فـــي الـــروح ألـــق الحـــرف وسلمتنـــــي وردة حمـــــراء، (...) مقطع 3: بعدما سقطت دمعة من درب التعساء، وتشاعيب الطريق المسدود، وفجاءات الصقيع، وقبضة الماضي الرهيب... تحضر هذه اليد البيضاء، كما نقرأ في المقطع الثالث: لكـــن يـــدا بيضـــاء حولتنـــي شمعـــة، نورهـــا مـــزق الحلكـــة دفء أصقـــاع الغربـــة، والماضـــي المعتـــوه توقـــف وتـــلألأ الفـــرح النشـــوان. مقطع 4: إن غجرية ولدت من هم الفقراء، على الرصيف الأزرق، تترنح بين الضياع والتعفن، على أرصفة المتاهات، لكن اليد البيضاء تظهر من جديد لتمنحها الفرح الأخضر؛ لكـــن يـــدا بيضـــاء بفانوسهـــا السحـــري رتقـــت الأغـــوار وجذبتنـــي مـــن عتبـــة الأبـــواب المشمعـــة ومـــن بيـــن طواحيـــن الزمـــن لتتـــوارى الآهـــات وتتفتـــح فـــي روحـــي أبـــواب الفـــرح الأخضـــر. مقطع 5: تصف الشاعر الذات بأنها بصمة أتت من تطلع المحتاجين، وحقول المهمشين، والسحاب الكاذب، وشظايا الألم... لتضيع في غاب الأسود وأنهار التماسيح، لكن اليد البيضاء انتشلتها من ذلك المستنقع، لتأخذها إلى مملكة الحرف؛ لكـــن يـــدا بيضـــاء أخذتنـــي إلـــى مملكـــة الحـــرف حيـــث النـــور والنخيـــل ، وحيـــث الحقـــول المعبـــأة بالظـــل وبالتمـــر ... لأقبـــل النسيـــم وأصافـــح الشمـــس القدسيـــة وأذوب فـــي الحبـــر سنواتـــي المجدبــــة. هكذا يمكن اعتبار (اليد البيضاء) البؤرة الرئيسة المتكررة في كل مقطع، لتنطلق منها المعاني والأفكار والتصورات، وقد أفلحت الشاعرة؛ شكلا ومضمونا في توظيف آلية التكرار، حيث تتكرر عبارة اليد البيضاء، ليس عبثا، وإنما لتبدد فجوة نفسية ما، تخلق المعاناة في ذات الأنا، والتوتر في متن القصيدة، وتعوضها بفسحة من الأمل، تشحن الذات طمأنينة وأمانا، وهذا هو السر العميق الذي دعا الشاعرة لعنونة قصيدتها بالشرخ الوردي. عود على بدء، لقد تمت الإشارة إلى أنه لا يمكن استيعاب تجربة الشاعرة مالكة عسال الشعرية، إلا في ضوء الحافز الأساس الذي كان وراء انتظامها في عالم الشعر والأدب، وهو الاحتلال الأمريكي للعراق، سنة 2003. لذلك تبدو أغلب نصوص الشاعرة مسكونة بهذا الهاجس، ولو أنها قيلت في أغراض بعيدة عن السياسة والمقاومة والنضال، كما هو الحال بالنسبة لقصيدة الشرخ الوردي، التي رغم أنها تتراءى وهي تتوجه أكثر إلى الذات، غير أن هذه الحركة الداخلية لم تصرفها عن الاهتمام ولو العرضي بالخارج، وما يحبل به من معضلات وأورام وإشكالات، وثمة في النص أكثر من مكمن يحيل على ذلك: 1- مـــن درب التعســـاء، مـــن تشاعيـــب الطريـــق المســـدود، مـــن فجـــاءات الصقيـــع، مـــن قبضـــة الماضـــي الرهيـــب الملـــئ بالخيبـــات، بأثقـــال العـــذاب والقهــر... 2- علـــى الرصيـــف الأزرق مـــن هـــم الفقــــراء ولـــدت غجريـــة... 3- مـــن تطلـــع المحتاجيـــن، مـــن حقـــول المهمشيـــن، مـــن السحـــاب الكـــاذب، مـــن شظايـــا الألـــم... ومع أن قصيدة (الشرخ الوردي) تندرج في دائرة الشعر الذاتي، فإنها لم تخل مما يوحي بأن صاحبتها تظل مسكونة بهموم الواقع ومشاكله، كما تشير النماذج الثلاثة المثبتة أعلاه، حيث يحضر معجم واقع الناس المهمش بقوة، فتهتم الشاعرة بالتعساء والفقراء والمهمشين والمحتاجين، وهي تحاول التملص من قبضة الماضي، ومن الخيبات، ومن الألم... جملة القول، إن تجربة الشاعرة المغربية مالكة عسال ومع حداثتها، فإنها حلقت بها في آفاق الشعر المتميز الصافي، لتجعل منها شاعرة ذات خصوصية مستقلة، توفق بين عذب الكلام، ومتانة التعبير، وبسالة الموقف، لذلك فإن هذه القراءة لا يمكن لها أن تحيط بكل جوانب هذه التجربة الفتية، غير أنها حاولت الاقتراب من تخومها، ومساءلة بعض جوانبها الفنية والمعنوية. نص القصيدة الشـــرخ الـــوردي شعر/مالكة عسال -1 عصفـــت بـــي الأدهـــر ورمـــت بـــي علـــى شاطـــئ الغربـــاء بيـــن مخالـــب النســـور وأشـــواك القهـــر ... وخلعـــت العصـــي مئزرهـــا ومنحتنـــي شعلتهـــا المتوحشــــة... لكـــن يـــدا بيضـــاء انتشلتنـــي وعـــن جبينـــي مسحـــت الغبـــار ... فتبســـم أفقـــي وزاد داخلـــي اشتعـــالا... ومـــن كماشـــة التعقيـــد والخيـــوط المحبوكـــة توقـــدت سنبلتـــي ، وعـــرش غصنهـــا فـــي القلـــب وتوقـــدت حرفـــا... حرفـــا لتفـــرغ محتـــواي المتوجــع وينطـــق صمتـــي. -2 مـــن خلـــف الرمـــز القطـــري ، مـــن بؤبـــؤ الأســـى انزلقـــت خيـــالا. مـــن تلابيـــب الأزمنـــة المغلقــــة تدفقـــت ظـــلا. مـــن عمـــق التيـــه سقطـــت دميـــة فـــوق طرقـــات الخـــوف لكـــن يـــدا بيضـــاء نفخـــت فـــي الـــروح ألـــق الحـــرف وسلمتنـــــي وردة حمـــــراء ، سبكتنـــي تقاسيـــم ود وغرستنـــي جـــذورا فـــي ذاكـــرة الخصـــب ، وأغنيـــات فـــي حفيـــف العشـــب وباللطـــف تعهدتنـــي وقـــادت خطـــاي إلـــى الأفـــق المتوهــــج لأحـــي بيـــن السطـــور أطـــارد الأشبـــاح وأمســـك الشعـــاع. -3 مـــن درب التعســـاء ، مـــن تشاعيـــب الطريـــق المســـدود ، مـــن فجـــاءات الصقيـــع ، مـــن قبضـــة الماضـــي الرهيـــب الملـــئ بالخيبـــات ، بأثقـــال العـــذاب والقهــر... مـــن شمـــس المغيـــب سقطـــت دمعـــة... لكـــن يـــدا بيضـــاء حولتنـــي شمعـــة ، نورهـــا مـــزق الحلكـــة دفء أصقـــاع الغربـــة ، والماضـــي المعتـــوه توقـــف وتـــلألأ الفـــرح النشـــوان. -4 علـــى الرصيـــف الأزرق مـــن هـــم الفقــــراء ولـــدت غجريـــة ... ممسوحـــة البسمــــات ، مشلولـــة الحركـــات ، حقائـــب أحلامـــي وعناقيـــد أيامـــي ضاعـــت ... تعفنـــت ... علـــى أرصفـــة المتاهـــات ... لكـــن يـــدا بيضـــاء بفانوسهـــا السحـــري رتقـــت الأغـــوار وجذبتنـــي مـــن عتبـــة الأبـــواب المشمعـــة ومـــن بيـــن طواحيـــن الزمـــن لتتـــوارى الآهـــات وتتفتـــح فـــي روحـــي أبـــواب الفـــرح الأخضـــر. -5 مـــن تطلـــع المحتاجيـــن ، مـــن حقـــول المهمشيـــن ، مـــن السحـــاب الكـــاذب ، مـــن شظايـــا الألـــم ... أتيـــت بصمـــة علـــى خـــد الزمـــن بغـــاب الأســـود وأنهـــار التماسيـــح ... لكـــن يـــدا بيضـــاء أخذتنـــي إلـــى مملكـــة الحـــرف حيـــث النـــور والنخيـــل ، وحيـــث الحقـــول المعبـــأة بالظـــل وبالتمـــر ... لأقبـــل النسيـــم وأصافـــح الشمـــس القدسيـــة وأذوب فـــي الحبـــر سنواتـــي المجدبــــة. الــــدار البيضــاء الأحـد 21 دجنبــر2003 بقلم/التجاني بولعوالي اضف الى موقعك | طباعة | ارسال لصديق
|
- هذه التعليقات تعبر عن رأي أصحابها فقط.
- سيتم حذف التعليقات الغير اللائقة.
- نرجو اضافة الكود الأمني الموجود بالأسفل.
|
المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي مجلة الفوانيس v.1.4.6
|