الرئيسية arrow بقلم رئيس التحرير arrow الواقعية الشعرية من خلال قصيدة (قارعة الهذيان) للشاعر المغربي إسماعيل زويريق
spacer

إبحث عن كاتب

advertisement.png, 0 kB
Advertisement
spacer
spacer  
الواقعية الشعرية من خلال قصيدة (قارعة الهذيان) للشاعر المغربي إسماعيل زويريق طباعة ارسال لصديق
الكاتب: التجاني بولعوالي   
16/03/2008
التجاني بولعواليإن أول انطباع تولد في ذهني، وأنا أقرأ قصيدة (قارعة الهذيان) للشاعر المغربي إسماعيل زويريق، وهي منشورة في مجموعة شعرية تحمل العنوان نفسه (ط1/2005)، أنها قصيدة واقعية على الإطلاق، حتى أن الإنسان وهو يقرأها، يشعر وكأنه جالس في المكان نفسه الذي يجلس فيه الشاعر، لينقل تفاصيل يومية دقيقة لحياة أناس عاديين، وهم يتجاذبون أطراف الحديث، عن قضايا الواقع ومستجداته، ثم إنه لا يكتفي بذلك، وإنما يمضي في تصوير كل ما يطرأ على ذلك الواقع من أحداث صغيرة، قلما تستدعي الانتباه، ربما لعدم أهميتها وحقارتها.

إن قصيدة (قارعة الهذيان) تنخرط بشكل مباشر في فضاء الواقع، من غير مقدمات لغوية أو معنوية، تتدرج بالموضوعة الجوهرية للقصيدة، التي هي تصوير جانب من واقع الناس، حتى يتهيأ السياق النصي، فتنطلق إلى ما يروم الشاعر الكتابة عنه، وإنما ارتأى الشاعر أن يفتتحها بشبه جملة، مسبوقة بحرف الجر (في)، الذي يضع القاريء مباشرة في فضاء المقهى، الذي يمكن اعتباره البؤرة التي تتفرع منها خيوط القصيدة، نحو متاهات العالم السفلي، بل وأن الشاعر يحدد بدقة موقع المكان/المقهى واسمه وحجمه، يقول:
في مقهى يوجد قرب النهضة
فوق الرصيف الأيمن من شارع يحمل اسما كبيرا
في أشهر حي في بلدي
في مقهى فسيح
إسمه المعتمد
وبمجرد ما ينتهي الباحث من قراءة هذا المقطع الافتتاحي، ينصرف ذهنه فورا إلى شاعر مغربي معروف، ينحدر من المدينة نفسها التي ينتسب إليها شاعرنا إسماعيل زويريق، وهي مدينة مراكش، وأعني في هذا الصدد شاعر الحمراء محمد بن ابراهيم، الذي عرف بأطرف قصيدة هجائية كتبت في الشعر العربي الحديث، فهو لم يهج بها قائدا أو حاكما أو شخصا معينا أو حتى حيوانا، كما هو متداول في الشعر العربي عامة، وإنما هجا بها مطعما من مطاعم مدينة طنجة، يقول فيها:

إن كان في كــل أرض ما تشان بــه
فإن طنجة فيهــا المطعـــم البـلـدي
أخــلاق أبنائهــا كالمســــك في أرج
بعكس أخلاق رب المطعــم البـلــدي
يأتيك بالأكـــل والـــذبـــاب يتبعـــه
وكالضبــاب ذباب المطـعم البلــدي
ما بالبـــراغيث إن تثاءبت عجــب
لما ترى حجمهــا بالمطعــم البلـــدي
تلقاك راقصــةً بالـــبــاب قائلــــةً
يـا مرحبا بضيوف المطعـــم البلـدي
والبَقُّ كالفول حجما إن جَهِلــتَ به
فعشُّــه في سريـر المـطعــم البلــدي
تبيت روحــك بالأحـــلام في رعــب
إن نمت فوق فراش المطعم البلــدي
أما الطبيب فعجــل بالذهــاب لــه
إذا أكلــت طعــام المطــعـــم البلــدي
والقاسم المشترك بين هذين الشاعرين المراكشيين، ليس ما هو دلالي أو جمالي أو لغوي أو غير ذلك، وإنما الروح الخفيفة التي يتمتعان بها، وهذا أمر طبيعي في أغلب ساكنة مدينة مراكش الأصليين، بحكم مختلف العوامل التاريخية والاجتماعية والثقافية وما إلى ذلك، فهي تعتبر من أول المدن المغربية التي حافظت على طابعها التراثي الشعبي، حيث تحضر في الحياة اليومية العادية للناس مختلف أشكال الثقافة الشعبية الاحتفالية المغربية، كالغناء والنكتة والأمثال والحلقة والفرجة وغيرها، وما ساحة (جامع الفنا) العريقة التي تتوسط المدينة، إلا شاهد تاريخي وواقعي حي على ذلك، وقد أثر ذلك المناخ بشكل عميق في تجربة إسماعيل زويريق الشعرية، وهذا ما سوف يتضح للقاريء وهو يرتحل بين سطور هذه القصيدة، المشبعة بالطرافة والمرح والوصف الصادق.
على هذا الأساس، فإن السياق الذي يعيش فيه الشاعر يؤثر بشكل كبير في اختيار النمط الشعري، ليس فقط لأنه، حسب تفسير الناقد الفرنسي سانت بيف، ابن بيئته، وإنما يساهم في صنع بيئته وتوجيهها، وقبل الشروع في تحليل حيثيات الواقعية الشعرية، التي يتضمنها هذا النموذج الشعري، يقتضي منا المقام تحديد المقصود من مصطلح الواقعية.
إن الواقعية عموما هي "مذهب يقرر وجود العالم الخارجي مستقلا عن الفكر. والواقعية في الفن والأدب تعني كل محاولة في تمثل الأشياء بأقرب صورة لها في العالم الخارجي" ، وتتفرع إلى اتجاهات مختلفة، أهمها: الواقعية الطبيعية والواقعية الاشتراكية والواقعية النقدية، وما يهمنا في هذا الصدد، هو الصنف الأخير، الذي ينبني على الكشف عن حقيقة الواقع، بكيفيات متنوعة، كالوصف والنقد والمقارنة والتوجيه وبث الأفكار، مما يبوؤها لأن تكون بمثابة "اتجاه أدبي وفكري يقوم على أساس ارتباط الكاتب وجدانيا وعقليا بقضايا المجتمع، وإحساسه بتحولات الزمان والمكان، واتخاذ موقف إزاء هذه القضايا" . وقد جاءت المدرسة الواقعية ردا على المدرسة الرومانسية، فقد اعتقد أصحاب هذه المدرسة بضرورة معالجة الواقع برسم أشكال الواقع كما هي، وتسليط الأضواء على جوانب هامة يريد الفنان إيصالها للجمهور بأسلوب يسجل الواقع بدقائقه دون غرابة أو نفور . وإذا كان ظهور هذا الاتجاه الأدبي في الغرب يؤرخ بأواخر القرن التاسع عشر، فإن إرهاصاته في العالم العربي لم تبدأ إلا عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، سنة 1945، حيث تعتبر قصيدة (الكوليرا) للشاعرة العراقية نازك الملائكة، أول أنموذج شعري واقعي، يضع الخطوة الأولى على نهج الواقعية الشعرية، التي سوف تمثلها لاحقا زمرة من رواد قصيدة التفعيلة، كبدر شاكرالسياب وعبد الوهاب البياتي وصلاح عبد الصبور وعبد المعطي حجازي ونزار قباني وخليل حاوي وفدوى طوقان وغيرهم.
وتتسم تجربة الشعر الواقعي بخصائص عدة، إما على مستوى ما هو دلالي، أو تركيبي، أو إيقاعي، وفيما يتعلق بقصيدة (قارعة الهذيان) للشاعر إسماعيل زويريق، تسترعي انتباه القاريء أو الباحث جملة من الخصائص الواقعية، كالتصوير الدقيق المفصل لواقع الناس، واعتماد اللغة الواضحة والسهلة، وتوظيف السرد الشعري، واستعمال إيقاع الخبب، وغير ذلك.

* التصوير الدقيق لواقع الناس

وهو يعتبر من أهم ملامح الواقعية الشعرية، حيث يقوم الشاعر بتصوير دقيق وصادق لتفاصيل الحياة اليومية العادية، عن طريق النزول إلى واقع الناس وتفحص أفعالهم وسلوكاتهم وحركاتهم، ثم كتابتها شعرا، يعكس بوضوح تام ذلك الواقع، حتى يشعر الإنسان وهو يقرأ القصيدة، وكأنه يشارك أولئك الناس أغراض حياتهم، أو أنه قريب جدا من عالمهم، مما يجعل هذا اللون من الشعر بمثابة مرآة عاكسة للحياة اليومية للمجتمع. وهذه وقفات شعرية واقعية وقفها الشاعر إسماعيل زويريق في قصيدة (قارعة الهذيان)، من شأنها أن تقرر الملاحظة السابقة.
- الكراسي القديمة مملوءة بأناس يسترقون السمع بلا حشمة
يحرقون المواجع فوق أثافي الفراغ.
منهم من يبحث في الكلمات المسهمة
أو يأخذ في أطوار السديم
منهم من يخوض بلا علم في حديث قديم
يبحث عن معنى الإرهاب
- الكل هنا واحد
يتكلم في الكل. يفتح باب الكلام على مصراعيه.
يتكلم عن عمر المختار الذي مات مقتولا باسم الإرهاب
- رفعت إلى الأعلى بصري
في لافتة كهربائية.
أقرأ "لنحافظ على البيئة"
- مشروبي المفضل لم تبق منه سوى جرعة ساخنة
العادم يملأ هذا المكان
ورواد المقهى الكثيرون بلا آذان
والعصافير تبحث في حذر عن بقايا الفتات 
عندما يتفحص القاريء هذه الشواهد الشعرية، يجد أنها تتناول معاني دقيقة من واقع الناس وحياتهم اليومية، قد لا تخطر على الذهن، بل وقد لا تستدعي نظر الكثير من الشعراء، الذين لا يكترثون بالأمور الحقيرة والقضايا الصغيرة، ويمكن تقسيم هذه المعاني إلى نوعين؛ أولهما يقتصر فيه الشاعر على وصف بعض الأشياء والأحداث، التي اعترضته وهو جالس في مقهى المعتمد يروض في صمت قصيدته، (رفعت إلى الأعلى بصري/في لافتة كهربائية./أقرأ "لنحافظ على البيئة"، مشروبي المفضل لم تبق منه سوى جرعة ساخنة، والعصافير تبحث في حذر عن بقايا الفتات)، وثانيهما يقوم فيه الشاعر بالكشف عما يختفي من أسرار خلف سلوكات الناس وأفعالهم، (الكراسي القديمة مملوءة بأناس يسترقون السمع بلا حشمة، منهم من يبحث في الكلمات المسهمة، يتكلم عن عمر المختار الذي مات مقتولا باسم الإرهاب)، وسعيا إلى نقل هذه المعاني الواقعية الدقيقة، اقتضى المقام من الشاعر استخدام لغة واضحة تستجيب لهذا الصنف من الكتابة الواقعية.

* اعتماد اللغة العادية الواضحة

إن الشعر الواقعي لا يكون واقعيا بمعانيه فحسب، وإنما باللغة التي تترجم تلك المعاني وتنقلها، وهي لغة عادية تتسم بالوضوح والشفافية واليسر، تراعي أذواق الناس ومستوياتهم الثقافية والتعليمية، وهي تعتمد السهل الممتنع من الأساليب، وتمتاح أغلب مفرداتها من المعجم الواقعي اليومي (تفو، بلا حشمة، لافتة كهربائية، مشروبي المفضل...).
- " تفو ..."
كيف أسحب عطر الزمان البعيد
وهذا الزمان المنَيَّر يأتي كل صباح بأمر جديد
- الكراسي القديمة مملوءة بأناس يسترقون السمع بلا حشمة
يحرقون المواجع فوق أثافي الفراغ.
منهم من يبحث في الكلمات المسهمة
- رفعت إلى الأعلى بصري
في لافتة كهربائية.
أقرأ "لنحافظ على البيئة"
- مشروبي المفضل لم تبق منه سوى جرعة ساخنة
والملاحظ أن الشاعر يحاول، من فينة لأخر، أن يطعم هذه الأسطر والمقاطع الشعرية المكتوبة بلغة جد عادية، قد تقلص من إيحاء الشعر وجماليته، بأسطر ومقاطع أخرى تعتمد لغة أرقى وأغنى من الناحية الجمالية، مؤثثة بالاستعارات والتعابير الراقية والرموز، كما يتضح من خلال هذين النموذجين:
- هل تفيدُ قصائدي الترهات
هل تفيد البلاد التي نصفها لا يتقن إلا غثاء الكلام
والنصف الآخر يقضي الحياة حبيس الظلام.
كيف أبقي شيطاني
فلتموتي وصيري رمادا
ومعذرة
عن أنا سرَّحت جياد القوافي
- كنت اجلس فوق الكرسي وحيدا
أمسح وجه السماء
باحثا عن طيور السنونو التي هجرها قمصانها ذات عاصفة ماكرة .
وانتهت تتسكع في أرخبيلات جليز ميتة الذاكرة.

* توظيف آلية السرد الشعري

في حقيقة الأمر، يعتبر السرد أهم وسيلة تعبيرية، لنقل الحدث الواقعي إلى القاريء بنوع من التسلسل والتراتبية، وثمة من الشعراء؛ قديما وحديثا، من وظف هذه الآلية، فكانت النتيجة أن أبدع شعرا قصصيا أو قصصا شعرية، كما هو الحال بالنسبة لشعر المعلقات والملاحم والمسرحيات الغنائية، وعندما نتفحص الشعر الواقعي، ندرك أنه عادة ما يستعمل آلية السرد الشعري، لا سيما عندما يقوم الشاعر بتصوير حركات الواقع وتحولاته، وفيما يرتبط بالقصيدة المدروسة، يبدو أنها بمثابة قصة شعرية واقعية، تحكي مجموعة من التفاصيل اليومية، منذ أن جلس الشاعر في مقهى المعتمد بحي النهضة، حيث راح يصف المكان الذي يوجد فيه، بأشيائه وأحيائه وتحولاته، وموازاة مع ذلك كان يكتب قصيدته في صمت، وبمجرد ما ينتهي من نسج تلك القصيدة، تنسدل الستائر ويتوقف السرد. وهذا مقطع تصويري دقيق يصف من خلاله الشاعر كثرة المتسولين الوافدين على المقهى لسؤال الناس، من شأنه أن يثبت حضور آلية السرد الشعري في قصيدة (قارعة الهذيان).
- في هذا المكان
جاءني السائل الأول
احجنَ الظهر
سيء القسمات
قال منبسطا :" إنني لم أذق طعم الخبز منذ الشهر الذي فات"
جاءني الثاني
معه طفلة لازالت دون العشر
أيها السيّد
ثم قال الذي لا يقال:" بكفِّ ضارعة" وانصرف
جاءني الثالث
أومأت إليه بسبّابتي
كاد يبكي
جاءني الرابع
يدَّعي انه مات
وان البلادَ تعيش سنين السبات
والخامس كلَّمني همسا
أما السادس
والذي كان في عمري
يمشي يجر بلا خجل نصفه المبتور
يحكي عن الزمن المتسوِّس يحكي عن التاريخ الطويل
عن الطير الأبابيل
وما بعد السادس لا يحصى
نسيت العدَّ. نسيت الزمان تنمى مداه.
ونسيت المكان
كان يعصرني ما أراه.

* استعمال إيقاع الخبب

والخبب الذي يسمى كذلك المحدث أو المتدارك، هو بحر شعري أضافه الأخفش إلى البحور الشعرية العربية الخمسة عشر، التي صنفها أستاذه الخليل أحمد بن الفراهيدي، وهو ينبني على تبادل وتداول التفعيلات: فَعلن (---0)، فعْلن (-0-0)، فاعل (-0--)، فاعلن (-0--0)، وثمة من العروضيين من يفرق بين الخبب والمتدارك، فالخبب يتميز بأنه لا أوتاد مجموعة فيه (--0)، وأسبابه خفيفة أو ثقيلة، أما المتدارك ففيه أوتاد وسببه خفيف قابل للزحاف، غير أن الملاحظ في الشعر التفعيلي الحديث، أن الشعراء يجمعون بين هذين الوزنين أو البحرين، فيوظفون أغلب تفاعيلهما في القصيدة الواحدة، على أنهم يكتبون على إيقاع الخبب.
ويعتبر هذا الإيقاع أكثر الإيقاعات ملاءمة للشعر الواقعي، لا سيما وأن اللغة العربية العادية، وهي العامية التي يتداولها الناس في حياتهم اليومية، يتشكل إيقاع أغلب كلماتها وتعابيرها من الأسباب الخفيفة والثقيلة، وبذلك فهي خببية الإيقاع، والملاحظة نفسها تسري، بشكل أو بآخر، على لغة النثر، مما يجعل توظيف بحر الخبب في كتابة الشعر الواقعي، أكثر مرونة واستجابة، فهو لا يقتضي مجهودا جبارا من الشاعر، كما تقتضي البحور الشعرية الأخرى.
في مقهى يوجد قرب النهضة
(-0-/0-0-0/---0/-0-0/--)
فوق الرصيف الأيمن من شارع يحمل اسما كبيرا.
(-0/-0--0/-0-0/---0/-0--0/-0--0/-0--0/-0)
في أشهر حي في بلدي
(-0-0/---0/-0-0/---0/)
في مقهى فسيحْ
(-0-0/-0--0/-0)
إسمه المعتمدْ
(-0--0/-0--0)
على أساس هذه القراءة العروضية، وهي ليست القراءة الوحيدة، لأن هذا المقطع الشعري قد يقسم تقسيما عروضيا آخر، يتبين أن الشاعر وظف ثلاث صيغ تفعيلية، وهي: فعْلن وفعلن وفاعلن، وتجدر الإشارة في هذا الصدد، إلى أن ثمة من فقهاء العروض من لا يستحسن ورود التفعيلة الأخيرة (فاعلن) في بحر الخبب، لأنها تتضمن وتدا مجموعا (--0)، خاصا بالبحر المتدارك، لكن الشاعر إسماعيل زويريق كسر هذه القاعدة، فأصبح إيقاع قصيدته يوفق بين بحري المتدارك والخبب.
 

نص القصيدة/ قارعة الهذيان
شعر/إسماعيل زويريق

في مقهى يوجد قرب النهضة
فوق الرصيف الأيمن من شارع يحمل اسما كبيرا
في أشهر حي في بلدي
في مقهى فسيح
إسمه المعتمد
 
***
ها هنا بعد السادسة
أتنضَّى  طواحين الأوهام
وأهتك ستر شجوني  على جمرات الضياع
هناك يفجر فينا موت الزمان غذاء الحديث.
 
***
كنت أجلس فوق الكرسي وحيدا
أمسح وجه السماء
باحثا عن طيور السنونو التي هجرها قمصانها ذات عاصفة ماكرة .
وانتهت تتسكع في أرخبيلات جليز ميتة الذاكرة.
 
***
الكراسي القديمة مملوءة بأناس يسترقون السمع بلا حشمة
يحرقون المواجع فوق أثافي الفراغ.
منهم من يبحث في الكلمات المسهمة
أو يأخذ في أطوار السديم
منهم من يخوض بلا علم في حديث قديم
يبحث عن معنى الإرهاب
ويحترف الكذب الممقوت عن الزمن السائد
وأنا كنت أجلس فيهم وحيدا
في صمت أروِّض خيل القصيدة.
كنت مفتونا
لم أسمع الأقدام التي تتحرش بي
ما استجالتني الأرداف التي تترجرج تحت التنورات
لم أشمَّ العطر الذي تحمل الأنسام
كنت أروِّض خَيْلَ قصيدة.
 
***
أستجلي مثار الذهول
أضمِّد قافية داستها نعال الفجيعة ذات حريق.
أغرس آلامي عارية في طوار القوافي.
" تفو ..."
كيف أسحب عطر الزمان البعيد
وهذا الزمان المنَيَّر يأتي كل صباح بأمر جديد
 
***
الكل هنا واحد
يتكلم في الكل. يفتح باب الكلام على مصراعيه.
يتكلم عن عمر المختار الذي مات مقتولا باسم الإرهاب
يتكلم في الأسطورة عن فينوس التي بيعت في سوق النخاسة يوم الهزيمة
يتكلم عن أطفال القمامة
وعن الأطيار التي غادرت نخل الدوار ساعة الفجر في قارب الموت.
يحوم حول السياسة
يُجْفِله ان يشب الكلام صريحا
 
***
كنت أجلس منهم قريبا أدمدم في صمت بقصيدة.
عن هذا المكان أنا أتكلم
ليس إلا أنا والزمان وذكرى جراحي الرحيمة
ألف غاو يبتهلون لكي أنساح عن الأسرار القديمة
أختار منافي السهو
أجتت رسما تصلّب فوق جدار قديم
أبدد رائحة القهوة المخلوطة بالنبوات
أقسِّم ظلي على أطباق الأيام.
 
***
عدت من رحلتي الهوجاء
أراقب عصفورا دوريا يحط قريبا منِّي
يبحث في حذر عن فتات رغيف.
كيف يسكن فيك الخوف ؟
أيها العصفور الرمادي .
قد خلا الجو لك.
لا فخاخ الموت هنا
لا هدير الرصاص ينادي ...
 
***
كنت أجلس فوق الكرسي وحيدا
أبحث في صمت عن قافية بلهاء
مشروبي المفضل لم تبق منه سوى جرعة ساخنة
العادم يملأ هذا المكان
ورواد المقهى الكثيرون بلا آذان
والعصافير تبحث في حذر عن بقايا الفتات
ووحدي كنت أروِّض خيل قصيدة
نعم وحدي أتجرع كأس الوحدة
أتحركُ، ينتفض العصفور ويغرس عينيه في عيني
أحدّق فيه مليًّا
العالم في عينيه فتات
السيارات فتات
الناس فتات
الكلاب فتات
وانا والقصيدة في عينيه فتات.
أشحتُ بوجهي يسارا أدمدم في صمت بالقوافي البليدة
رفعت على الأعلى بصري
في لافتة كهربائية.
أقرأ " لنحافظ على البيئة "
أضحك.
مآت النخيل تجتَّثُ تحت ستار الظلام
انتهت أبيات القصيدة.
وماتت على شفتي الكلمات
مسحت فمي من بهار القوافي
ولذت إلى الصمت
 
***
في هذا المكان
اقطع الوقت في الهذيان
أقطع الأيام وما مرّ من سنوات الأحزان
أرسم الأحلام شراعا يرابط في البحر الأبيض المتوسط كل مساء.
شراعا ينتظر الإقلاع على وطن الأسلاف.
في غفلة من حراس الليل
أرسم وجه الأرض رغيفا قمحيا
للطيور التي لا تأكل إلا الفتات
أرسم القمر الفضي يجوب فيافي الوجدان
ارسم الصحراء حقول زؤان
أحمل أمتعتي أترك الآمال الكريمة ترحل بي
في هدوء على باحة البيلسان.
 
***
في هذا المكان
جاءني السائل الأول
احجنَ الظهر
سيء القسمات
قال منبسطا :" إنني لم أذق طعم الخبز منذ الشهر الذي فات"
جاءني الثاني
معه طفلة لازالت دون العشر
أيها السيّد
ثم قال الذي لا يقال:" بكفِّ ضارعة" وانصرف
جاءني الثالث
أومأت إليه بسبّابتي
كاد يبكي
جاءني الرابع
يدَّعي انه مات
وان البلادَ تعيش سنين السبات
والخامس كلَّمني همسا
أما السادس
والذي كان في عمري
يمشي يجر بلا خجل نصفه المبتور
يحكي عن الزمن المتسوِّس يحكي عن التاريخ الطويل
عن الطير الأبابيل
وما بعد السادس لا يحصى
نسيت العدَّ. نسيت الزمان تنمى مداه.
ونسيت المكان
كان يعصرني ما أراه.
 
***
هل تفيدُ قصائدي الترهات
هل تفيد البلاد التي نصفها لا يتقن إلا غثاء الكلام
والنصف الآخر يقضي الحياة حبيس الظلام.
كيف أبقي شيطاني
فلتموتي وصيري رمادا
ومعذرة
عن أنا سرَّحت جياد القوافي
 
***
أيها الغاوون
أيها الواعون
لا تمشوا ورائي ولا تدعوا الليل يسرجْ  فوانيسهُ.
للنار نذرت القوافي التي نسجتها قارعة الهذيان.
 
مراكش 30/06/2001  
 
من مجموعته الشعرية الجديدة :" قارعة الهذيان"

-------------------------------------------------

 1  معجم المصطلحات الحديثة، د. سمير سعيد حجازي، دار الكتب العلمية بيروت - لبنان، ط1/2005، ص286
2   المرجع نفسه، ص286
3   الموسوعة الحرة ويكيبيديا، الرابط: http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D8%B1%D8%B3%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9%D9%8A%D8%A9

بقلم/التجاني بولعوالي

مقالات أخرى للكاتب


اضف الى موقعك | طباعة | ارسال لصديق

  اضف تعليقا
الإشتراك في RSS للتعليقات

اضف تعليقا
  • هذه التعليقات تعبر عن رأي أصحابها فقط.
  • سيتم حذف التعليقات الغير اللائقة.
  • نرجو اضافة الكود الأمني الموجود بالأسفل.
الإسم:
البريد الإليكتروني
الصفحة الرئيسية
العنوان:
BBCode:Web AddressEmail AddressBold TextItalic TextUnderlined TextQuoteCodeOpen ListList ItemClose List
التعليق:

الكود الأمني:* Code
أريد أن أتوصل بالتعليقات حول هذا المقال على بريدي الإليكتروني

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي مجلة الفوانيس v.1.4.6

 
< السابق   التالى >
spacer

spacer
© 2010 مجلة الفوانيس
جميع الحقوق محفوظة لمجلة الفوانيس الثقافية .