spacer

إبحث عن كاتب

advertisement.png, 0 kB
Advertisement
spacer
spacer  
التجاني بولعوالي: تجربة الحب المثالي طباعة ارسال لصديق
الكاتب: التجاني بولعوالي   
20/01/2008

التجاني بولعوالي

قراءة في قصيدة (لو عاد الحب) للشاعرة زاهية بنت البحر

في حقيقة الأمر، تعتبر الشاعرة مريم يمق، المعروفة بالإسم الأدبي (زاهية بنت البحر)، من الشواعر القليلات اللائي يكتبن القصيدة التقليدية ذات الشطرين المتناظرين، أو ما يطلق عليه، في النقد العربي، القصيدة العمودية، غير أن هذا المصطلح يظل أوسع، قلما يحقق الشعراء مفهومه العلمي أو النقدي الأصلي، من خلال ما ينظمونه من قصائد، فهو يحيل مباشرة على قضية نقدية عربية مشهورة، وهي قضية عمود الشعر، التي أرسى قوانينها المرزوقي في شرحه لديوان الحماسة، وهي سبعة قوانين أو عيارات كما يفضل تسميتها: 

شرف المعنى وصحته، جزالة اللفظ واستقامته، الإصابة في الوصف، المقاربة في التشبيه، التحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن، مناسبة المستعار منه للمستعار له، ومشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية حتى لا منافرة بينهما. (ينظر شرح ديوان الحماسة للمرزوقي، المجلد1/ص9).
على أساس هذه العناصر المشكلة لعمود الشعر، ندرك أن ليس كل قصيدة شعرية منظومة على نظام الشطرين، مع مراعاة الوزن والتقفية، يمكن أن تدرج في نطاق الشعر العمودي، اللهم إلا إذا كان ذلك من باب الإطلاق المجازي، لذلك يفضل نقديا أن توضع في إطار الشعر التقليدي، وهو شعر مكتوب على نظام الشطرين، مستعملا بحرا من بحور الشعر، مع القافية الموحدة أو المنوعة.
إن قصيدة (لو عاد الحب) للشاعرة زاهية بنت البحر تنتظم إذن، في بوتقة الشعر التقليدي، ويتحدد ذلك من خلال جملة من العناصر، كتوظيف الشاعرة وزن الخبب (فعلن؛ متحركة العين أو مسكونة)، واعتماد نظام الشطرين المتناظرين (صدر/عجز)، واستعمال القافية ذات روي النون الموحد (مكان، الغدران، الإنسان، الصبيان...)، غير أن ما يؤاخذ على الشاعرة أن مطلع قصيدتها، لا سيما الشطر الأول، غير مستوي الوزن، ومرد ذلك إما إلى سقوط حرف ما أو كلمة ما سهوا، أو إلى خطأ طباعي تقني.

الماء تلوثَ بعـــــداءٍ       وبأعداءٍ في كلِّ مكـــان
-0-0/---0/--/---00     ---0/-0-0/-0-0/---00
فعْلن  فعلن    فع   فعلانْ        فعلن   فعْلن   فعْلن    فعلان

بناء على هذه القراءة العروضية، يلاحظ أن التفعيلة الثالثة من الشطر الأول ناقصة، فهي تحتاج إلى سبب خفيف (-0) حتى يستقيم الوزن الخببي، وينجبر هذا الخلل الإيقاعي.
عندما يتصفح القاريء عنوان القصيدة (لو عاد الحب) يلاحظ أنه يبدأ بأداة التمني لو، مما يجعل الشيء الذي تتوقع الشاعرة عودته، وهو الحب، من الأمور المستحيلة أو البعيدة التحقق، لأن أسلوب التمني في البلاغة العربية، عادة ما يوظف لطلب حصول أمر محبوب صعب الوقوع أو بعيد التحقق، وتستعمل لذلك الغرض بعض الحروف مثل: ليت ولو وهل، وفي مقابل ذلك، تتضمن البلاغة العربية أسلوب الترجي، وهو يوظف لطلب أمر قريب التحقق، وممكن الوقوع، وأهم حروفه أو أدواته هي لعل وعسى. 
لكن قد يتملك القاريء ما يشبه الاستغراب، لما يدرك أن الشاعرة تجعل الحب من المستحيلات، بينما هو عند الكثيرين من الأمور الهينة والسهلة المنال، خصوصا في زمان أصبح فيه الحب من السلع الرخيصة، التي تصادف الإنسان في كل وقت وحيز، لكن كلما استغرق القاريء في القراءة، كلما اكتشف أن الحب الذي تتمنى الشاعرة عودته هو من عيار آخر، ذو طبيعة إنسانية مثالية مجردة تتعالى به عن ماديات الحياة وسفاسفها ونزواتها، وهذا ما يتبين من خلال أكثر من وقفة في القصيدة، حيث الحب نقيض العداء، الذي تلوث به الماء، والماء في هذا الصدد، هو بمثابة المعادل الموضوعي للحياة والاستمرارية، ولن يتنقى ويعود إلى صفائه إلا بطهر الغدران، ثم إن الشاعرة تعي بأن عمر الإنسان يتضمن لحظات وأزمانا تقي الإنسان من الانحراف والضلال، وتمنعه من الظلم والطغيان، كما أنه بالحب يرق الطبع، فتتبدد نزعة القتل والاغتيال والجراحات، هكذا تمضي الشاعرة في نسج أمنياتها، لتختم قصيدتها بنهاية سعيدة تدعو فيها العالم إلى الوفاق:
فلندعُ العالم لوفاقٍ/// كي نحيا العمرَ بحضنِ أمانْ
ثم إن المجيل النظر في موضوعة الحب، التي جعلت منها الشاعرة زاهية بنت البحر محور تمنيها، يرى أنها لم ترد في القصيدة كلها، إلا مرتين، بالصيغة نفسها (لو عاد الحب)، أولهما في العنوان، وثانيهما في البيت التاسع، مما يثبت قيمة ما تطلبه الشاعرة، إلى درجة أنها تتحفظ من الإكثار في ذكره، لكنها لا تتوانى في ذكر كل ما يساهم في انحجاب هذا الحب، كالعداء (الماء تلوثَ بعداءٍ وبأعداءٍ في كلِّ مكان)، والقهر والطغيان (أزمانٌ لا ترضى قهرًا لا ترضى ظلمًا أو طغيانْ)، والقتل (يقتلُ أطفالا وشيوخًا ونساءً لا يخشى الدَّيانْ)، والاغتيال (يغتالُ الحلم بلا خجلٍ)، والجراحات (فيصيرُ الجرحُ جراحات بالمالح تملأ والنيرانْ) وغير ذلك.

من هذا المنطلق، فإن الشاعرة زاهية بنت البحر لا تروم من خلال قصيدتها هذه، مجرد خط كلمات أو عبارات عادية حول تيمة الحب، وإنما تشحن هذا النص، بل وأغلب ما تنظمه من أشعار، بخطاب فكري عميق، نابع أولا، من إيمانها الكبير، الذي يتلمسه القاريء في كل سطر مما تكتب، (فيها أزمانٌ تحرسنا من أنفسنا ومن الشيطانْ/ يقتلُ أطفالا وشيوخًا ونساءً لا يخشى الدَّيانْ)، وثانيا من الواقع المرير الذي تعيش فيه، (يقتلُ أطفالا وشيوخًا/ فيصيرُ الجرحُ جراحات بالمالح تملأ والنيرانْ)، مما يبويء هذه التجربة الشعرية المتميزة، لأن تندرج في مدرسة الشعر الإسلامي المعاصر.
             
نص القصيدة

لو عاد الحب
زاهية بنت البحر(مريم يمق)

الماء تلوثَ بعداءٍ
وبأعداءٍ في كلِّ مكان
كم يلزمنا من أعمارٍ
لنعيدَ الطُّهرَ إلى الغدران؟
تلزمنا أ عمارٌ شتى

لاتحسبُ من عمرِ الإنسانْ
أعمارٌ فيها من وعي
مايكفي الأنثى والصبيانْ
تتفتح فيها أزهارٌ
من ضوء الشَّمسِ على الشطآنْ
فيها أزمانٌ تحرسنا
من أنفسنا ومن الشيطانْ
أزمانٌ لا ترضى قهرًا
لاترضى ظلمًا أو طغيانْ
فيها الآمالُ مرافقة ٌ
أطفالَ الأمةِ بالإحسانْ
أرأيتَ كمِ الدنيا تحلو
لوعادَ الحبُّ إلى الإنسانْ؟
لوعاد يرقُّ به طبعٌ
قد صارَ به مثل الحيوانْ
يقتلُ أطفالا وشيوخًا
ونساءً لا يخشى الدَّيانْ
يغتالُ الحلم بلا خجلٍ
يتحدى به أهلَ الوجدانْ
فيصيرُ الجرحُ جراحات
بالمالح تملأ والنيرانْ
فلندعُ العالم لوفاقٍ
كي نحيا العمرَ بحضنِ أمانْ

رابط القصيدة:

http://alfawanis.com/alfawanis/index.php?option=com_content&task=view&id=3657&Itemid=35

بقلم/التجاني بولعوالي

مقالات أخرى للكاتب


اضف الى موقعك | طباعة | ارسال لصديق

  اضف تعليقا
الإشتراك في RSS للتعليقات

اضف تعليقا
  • هذه التعليقات تعبر عن رأي أصحابها فقط.
  • سيتم حذف التعليقات الغير اللائقة.
  • نرجو اضافة الكود الأمني الموجود بالأسفل.
الإسم:
البريد الإليكتروني
الصفحة الرئيسية
العنوان:
BBCode:Web AddressEmail AddressBold TextItalic TextUnderlined TextQuoteCodeOpen ListList ItemClose List
التعليق:

الكود الأمني:* Code
أريد أن أتوصل بالتعليقات حول هذا المقال على بريدي الإليكتروني

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي مجلة الفوانيس v.1.4.6

 
< السابق   التالى >
 

آخر الردود

هشام حراك: حب على الشاطئ
علال بن عبد الله الرباط - المكتب -
قصة ماتعة هشـــــــــام لا عدمنا ابداعــــــــــــــــــــــ...
01/07/09 00:56 المزيد...
بواسطة: سعاد ميلي

قصيدة هوى الروح
سوريا
ايتها الشاعرة الجميلة : ان سحر كلماتك لا يقل عن سحر جمالك م...
27/06/09 11:16 المزيد...
بواسطة: علي جمعة الكعود - شاعر سوري

قصيدة هوى الروح
هوى الروح
قلمك ينضح بعبق الهوى ويلامس الروح كما يلامس الطلع أكمام الأز...
18/06/09 01:19 المزيد...
بواسطة: القاص نبيه اسكندر الحسن

في عددها الجديد جريدة "ملامح ث...
رسالة إلى رئيسة تحرير جريدة ملامح ثقافية
الأدبية المتألقة رئيسة تحرير ملامح ثقافية المحترمة : تحية ...
18/06/09 01:07 المزيد...
بواسطة: القاص نبيه اسكندر الحسن

تــــلُّ أبــــيــــــب
رؤيا متنبهة ومتنبئة
اخي الشاعر المبدع سيدي محمد علي الرباوي: أفي ماي من 1982 كتب...
14/06/09 19:32 المزيد...
بواسطة: أحمد بنميمون

آخر الأخبار الثقافية

مهرجان أصيلة الدولي لمسرح الأطفال في دورته السادسة
دورة السعودية من 3 إلى 9 يوليوز 2009 تنظم جمعية اللقاء المسرحي بأصيلة، الدورة السادسة \"لمهرجان أصيلة الدولي لمسرح الأطفال\"، وذلك في الفترة الممتدة من ثالث إلى تاسع يوليوز 2009. وتقرر أن ت...
محاربة تشغيل الأطفال....
تجربة بدأت مغربية من مدينة فاس/ وأخذت بعدا دوليا تواصلت على مدى يومين (29- 30 ماي 2009) بفندق ( شالة) / بطنجة  ندوة تحت عنوان : " جميعا من أجل القضاء على ظاهرة تشغيل الأطفال " بالمغرب ...
في الأثر الفكري لعبد الكبير الخطيبي
انطلقت يوم الثلاثاء 26 ماي 2009 فعاليات الدورة الثانية عشرة لعيد الكتاب بساحة المشوار بمدينة تطوان المغربية. وقد سعى المنظمون من خلال هذه الدورة إلى تعميق الإشعاع الثقافي من خلال دعم الكتاب والقراءة ا...
النساء في الجماعات : رافعة للحكامة المحلية.
نظم الاتحاد النسائي الوطني المغربي , الشعبة الإقليمية بالصويرة وبتعاون مع وكالة التنمية الاجتماعية , مراكش تانسيفت الحوز . مؤخرا بمقر الجمعية لقاء تحسيسيا تحت شعار ." النساء في الجماعات : رافعة ل...
"أقل من امرأة لكل عشر جماعات في المغرب" كيف يمكن تغيير هذا الوضع؟
المرأة والسياسة مع الباحثة السوسيولوجية أسماء بنعدادة ما معنى أن يخوض المغاربة انتخابات جماعية في الألفية الثالثة دون أن ينتبهوا إلى أن التمثيلية السياسية للنساء في مجالسنا المحلية المتعاقبة كانت تفض...
فاس تحتضن نــدوة الإبداع والترجمة والنقد الأدبي تواصــل حضاري
10 – 11 يونيو2009 م موافق 16 / 17 جمادى الثانية 1430 هـ بمشاركة ماستر الكتابة ومهن الكتاب، يواصل "مشروع البحث النقدي ونظرية الترجمة"، التابع لشعبة اللغة العربية وآدابها بكلية الآداب و...
spacer

spacer
© 2010 مجلة الفوانيس
جميع الحقوق محفوظة لمجلة الفوانيس الثقافية .