(يوسف في دائرة الماء) للشاعر محمد شاكر نموذجا(*)
إن القراءة الأولى لقصيدة (يوسف في دائرة الماء) للشاعر محمد شاكر، توحي بأنها تندرج في دائرة شعر التفعيلة، أو ما يطلق عليه الشعر الحر، الذي كانت بدايته الفعلية في منتصف القرن الماضي، وهو ينضبط على المستوى الإيقاعي لنظام التفعيلة الموحدة دون الالتزام بنظام الشطرين، أو عدد محدد من التفاعيل في كل سطر شعري، لكن عندما يجيل القاريء النظر في تلك القصيدة، يكتشف أنها لا يحكمها نظام وزني واضح، فهي تبدأ على وقع التفعيلتين (فاعلاتن فعلن)، فيحسب القاريء أنها نظمت على البحر المديد، لكن سرعان ما تلي تلك التفعيلتين، تفعيلة (فعولن) ثم (فعلن)، وهكذا، وفي مواقع أخرى من القصيدة يوفق الشاعر بين بحري المتقارب (فعولن)، والخبب (فاعلن، فعلن).
على هذا الأساس، فإن قصيدة (يوسف في دائرة الماء)، تنتظم في نطاق ما يسمى في النقد الحديث (قصيدة النثر)، أو الشعر المنثور، وهي تتسم بكثافة إيقاعية بارزة، قد تغيب في العديد من النصوص الشعرية الموزونة، وقد ترتب ذلك عن توظيف مختلف التفعيلات ولو بصيغ عشوائية، ثم اعتماد القافية (ماء، الأضواء، الأشياء، السماء، العماء). إن الغرض الجوهري من تناول هذه القصيدة، ليس النظر فيما إذا كانت قصيدة تفعيلية أو نثرية، وإنما التريث عند أهم ملمح يحضر بقوة فيها، وهو النص القرآني، حيث الشاعر يستوحي معاني قصيدته ودلالاتها من قصة النبي يوسف عليه السلام، كما هي محكية في سورة يوسف، وهذا ما يطلق عليه في التنظير التقليدي الاقتباس، أما في النقد الحديث فيعرف بأسماء مختلفة أهمها النص الغائب والتناص. إذن، ما هو التناص؟ وما هي الاتجاهات التي يتخذها في تبلوره داخل النسيج النصي، أو ما هي آليات عمله؟ "التناص هو تعالق (الدخول في علاقة) نصوص مع نص حدث بكيفيات مختلفة"(1)، وقد تباينت طريقة الدارسين في استجلاء هذا المكون من صلب المتن، وتباين معها رصدهم للأشكال التي يتمظهر فيها. فإذا كانت جوليا كريستيفا في تعاملها مع أشعار لوتر يامون، تميز ثلاثة أنماط من الترابطات الشعرية هي: النفي الكلي، فالمتوازي، ثم الجزئي(2)، فإن محمد بنيس، وإن كان يستوحي بعض مفاهيمها، خصوصا المرتبطة بالامتصاص، فإنه عموما يتبنى وجهة نظر مخالفة، ترى التناص إما اجترارا أو امتصاصا أو حوارا(3)، في حين يتعدى محمد مفتاح هذه النظرات، بل ويهون من قيمتها، يقول: "إنه من المبتذل أن يقال إن الشاعر يمتص نصوص غيره، أو يحاورها أو يتجاوزها بحسب المقام والمقال، ولذلك يجب موضعة نصه أو نصوصه مكانيا في خريطة الثقافة التي ينتمي إليها وزمانيا في حيز تاريخي معين".(4) ويحدد آليات التناص في شقين: التمطيط ويحوي الشرح، والاستعارة، والتكرار، والشكل الدرامي... والإيجاز.(5) والحق أن هذه التصورات النقدية الحديثة، قمينة بأن تضرب صفحا عن جانب من موقف أسلافنا المتعلق بهذا الأمر، لا سيما وأنهم أسهبوا في الكلام على السرقات الأدبية، وكلما لمسوا تشاكلا بين معنى شاعر وشاعر آخر، عدوا ذلك من باب السرقة(6)، كما فعل الآمدي في موازنته. غير أن ما يجب تأكيده هو أن التناولات الحديثة للتناص أكثر مرونة، إذ تعطي المبدع درجة قصوى من حرية التصرف، إن لم نقل كلها، حتى صار المدلول الشعري يحيل "إلى مدلولات خطابية مغايرة، بشكل يمكن معه قراءة خطابات عديدة داخل القول الشعري".(7) وما يلاحظ أن الشعراء الذين انفتحوا على النص القرآني، واستلهموه أثناء نظم أشعارهم وقصائدهم، غالبا ما اتخذ عندهم هذا الاستلهام منحيين؛ أولهما يستوحي معاني القرآن الكريم، وثانيهما يستفيد من أساليب القرآن الكريم، أما فيما يرتبط بقصيدة (يوسف في دائرة الماء) للشاعر محمد شاكر، يدرك قارئها أنها اقتصرت على المنحى الأول، الذي هو استلهام المعاني القرآنية، وهذا المنحى بدوره يتخذ اتجاهين؛ أولهما يحافظ فيه الشاعر على المعنى الأصلي كما هو وارد في القرآن الكريم، وثانيهما يثور ذلك المعنى أو يفجره، قصد توليد أبعاد دلالية جديدة منه.
الاتجاه الأول: الحفاظ على المعنى القرآني الأصلي وهو يحضر في بعض مقاطع القصيدة، بل وحتى في العنوان، (يوسف في دائرة الماء) حيث العبارة المركبة دائرة الماء (مضاف ومضاف إليه)، تعني بشكل واضح الجب، الذي ألقي فيه يوسف عليه السلام من قبل إخوته الإحدى عشر، وما يستجلى أن كلمة الجب تتكرر بشكل لافت، إما لفظا (فانـْداحتِ الأضْواءُ في جـُبِّ يوسفَ، العميق....؟/مُنذ أن تـَواترَ في بَحر الحياة بألف جُبَِّ/ ثم تأتي، خبْط عشواء، قذيفةُُ لـْيـلٍ تنسِفُ الجـُبَّ)، أو دلالة (تـُرعِشها الريحُ كما الظلال على صَفحة ماءْ/ وعادَ إلى غـَفوتـِه يَغرقُ في لـُجَج البقاء/ يا أيها الصِّد ِّيقُ .. في غـَيَاباتِ العَصْر/ فالرّيحُ جرتْ على حين غـدر أرْعشتْ جَلدَ الماء)، مما يجعل كلمة الجب تشكل بؤرة القصيدة، التي تتفرع منها مختلف المعاني والأفكار والرؤى. وعندما نتفحص الكيفية التي وردت بها هذه اللفظة في القرآن الكريم، نرى أنها ذكرت لفظا مرتين في آيتين مختلفتين، "قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِين" (يوسف 10)، "فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُون" (يوسف 15)، ثم ذكرت، لكن بصيغة مستترة في آية موالية، "وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَـذَا غُلاَمٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ" (يوسف 19). وعندما نعرض الجمل الشعرية التي وردت فيها لفظة الجب، نرى أن أغلبها، إذا ما تم استثناء العنوان، والمقطع الأول (فانـْداحتِ الأضْواءُ في جـُبِّ يوسفَ)، لم تحافظ على المعنى القرآني الأصلي. وهذا ما ينطبق على أغلب مقاطع وأسطر القصيدة، التي تحاول تثوير المعاني القرآنية الأصلية وتفجيرها، رغبة في توليد أبعاد دلالية جديدة، وتبقى هذه النماذج الأربعة وفية، بشكل أو بآخر، للمعنى القرآني الأصلي، أو لجانب منه. | النموذج الشعري | النص القرآني الأصلي | فانـْداحتِ الأ ضْواءُ في جـُبِّ يوسفَ، العميق....؟ | "فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُون" (يوسف 15) | | فتنبأ الطفلُ بالأشياءْ | "إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ" (يوسف 4) | | سابـِلة ُ الشارع ، قايَضُوا بالخـُطىٰ،بضاعة القلبْ | "وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَـذَا غُلاَمٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ" (يوسف 19) | وعلى قـُمْصَانهم، مِن دمِـــــــهِ تضاريسُ حِدادْ. | "وَجَاؤُواْ أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ" (يوسف 16)"وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ" (يوسف 18) |
ما يستفاد من هذا الجدول، أن نماذجه الأربعة، حاولت الحفاظ على المعنى القرآني الأصلي، كليا أو جزئيا، وهي نماذج قليلة بالمقارنة مع الحضور التناصي الكثيف في كل بقعة من جسد القصيدة، وهذا ما سوف نلاحظه في الاتجاه الثاني من هذا التحليل. الاتجاه الثاني: تثوير المعنى القرآني الأصلي وتفجيره. في حقيقة الأمر، إن النص القرآني نص استثنائي، ينبغي التعامل معه بحيطة وحذر، وإلا سوف نسيء إلى قدسيته ونزاهته وتعاليه، لا سيما وأنه كلام الله عز وجل، الذي لا يضاهيه أي كلام، كيفما كان قائله أو قيمته الدلالية والجمالية. وما أكثر الشعراء الذين وقعوا في مأزق الإساءة إلى ما هو قرآني، إما عن وعي منهم أو عن لا وعي، وعندما نتصفح قصيدة (يوسف في دائرة الماء)، نجد أنها استفادت كثيرا مما هو قرآني، وأن تميزها إنما تستمده من تناصها اللافت مع المعاني القرآنية السامية، مما يرقى بها إلى سلم الرؤيا، التي قلما يبلغ شأوه الشعراء. فبالإضافة إلى حفاظها، من جهة أولى، على المعاني القرآنية الأصلية، كما تمت الإشارة، فإنها سعت، من جهة ثانية، إلى تفجير المعنى القرآني الأصلي وتوليد معان جديدة منه، لكن هذه الآلية أساءت كثيرا إلى قصة يوسف عليه السلام كما وردت في القرآن الكريم، فإذا ما اقتصر الباحث على الجانب الحرفي والسطحي للقصيدة، فإنه يكتشف أنها جاءت لتعارض حقيقة المعاني القرآنية، تعارضا بارزا لا غبار عليه، فهو يوظف آلية النفي الكلي كما هي عند جوليا كريستيفا، وفيها يكون المقطع الدخيل منفيا كلية، ومعنى النص المرجعي مقلوبا، وهذا مردود من الناحية الأخلاقية والشرعية وحتى العلمية، عندما يتعلق الأمر بالقرآن الكريم، فلنتأمل ذلك من خلال الجدول الآتي: | النموذج الشعري | النص القرآني الأصلي | 1- لمْ تسجُدِ الشمسُ لهُ.. ولا صَلىَّ قمرٌ، شاحبٌ بعرض السماءْ. | "إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ" (يوسف 4)"وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا" (يوسف 100) | 2- ذلك المـُتسَكـِّعُ في سَنابله الخـُضرِ خارجَ أسْوار "العزيز" | "يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ" (يوسف 46) | 3- ويرىٰ في خزائن الحنايا يعصرُ خمْرًا لإله جديدْ. | "يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا" (يوسف 41) | 4- هوُ، يوسفُ، الطفل/الشيخُ بالقميص.. لا يرتدُّ بصيرًا، في سُرادق الدَّمارْ. | "اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ" (يوسف 93) | 5- لا يُجيدُ التأويل في غزارة الموْتِ وَرصْدِ الرّدار. | "وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ" (يوسف 6) | 6- يا أيها الصِّد ِّيقُ .. في غـَيَاباتِ العَصْر لمْ تـُشهر عدْلَ الكلمات في باحة القصر. لم تـُرْجعْ صُوَاع المَلك من رَحـْل القهر. لم تـَقـُلْ ، هذا تأويلُ رُؤْياي.. | "قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ" (يوسف 55)"قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ" (يوسف 72)"فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاء أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاء أَخِيهِ" (يوسف 76)"وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا" (يوسف 100) |
ما يستفاد من هذه النماذج الستة، التي يستوحي الشاعر معانيها مما يقابلها من نصوص وآيات قرآنية كريمة، مقتبسة من سورة يوسف، أنها كلها جاءت لتنفي المعاني القرآنية الأصلية نفيا كليا، وتبني على أنقاضها معان جديدة، تنقض جوانب عديدة من قصة يوسف عليه السلام كما وردت في القرآن الكريم! ولنتفحص كل نموذج على حدة، حتى تتضح هذه الملاحظة أكثر: 1- لقد ورد في مستهل سورة يوسف أنه عليه السلام رأى في المنام الكواكب والشمس والقمر يسجدون له، وأن هذه الرؤيا سوف يكتمل تأويلها في آخر القصة، حيث سوف يسجد له إخوته الإحدى عشر (الكواكب) وووالديه (الشمس والقمر)، غير أن الشاعر ينفي هذه الحقيقة، عندما يقول: لم تسجد الشمس له ولا صلى قمر! 2- إن يوسف عليه السلام يعتبر أنموذجا راقيا للصدق والأمانة والشرف، فالعزيز ينعته بالصديق، في حين أن الشاعر يعتبره متسكعا! 3- ورد في تأويل يوسف عليه السلام لرؤيا أحد رفيقيه في السجن، أنه سوف يسقي ربه خمرا، "فَيَسْقِي رَبّه: يَعْنِي سَيِّده وَهُوَ مَلِكهم"، كما جاء في تفسير الطبري وغيره، أما الشاعر يفهم الرب على أنه إله جديد! 4- ثم إن قصة يوسف عليه السلام، تحكي بأنه عندما ضيعه إخوته، فقد أبوه الشيخ؛ يعقوب عليه السلام بصره من شدة الحزن، وعندما سيتعرف يوسف إلى إخوته، سوف يطلب منهم الذهاب بقميصه إلي أبيه وإلقائه عليه، وبذلك سوف يرتد بصيرا، غير أن الشاعر يكسر هذه الدلالة، عندما يقول: هوُ، يوسفُ، الطفل/الشيخُ بالقميص.. لا يرتدُّ بصيرًا! 5- مما لا شك فيه أن يوسف يعتبر في التاريخ الإنساني أعظم مفسر للرؤى، كما يتضح من خلال تأويله لرؤى رفيقيه في السجن، وهذه هبة منحه إياه الله تعالى، كما يتضح من قوله تعالى: "وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ"، لكن الشاعر كعادته، يلغي المعنى القرآني الأصلي، ويرى أن يوسف عليه السلام لا يجيد التأويل! 6- ويبدو هذا النقض الصريح للحقيقة القرآنية، بشكل لافت، في هذا النموذج، الذي يقول من خلاله الشاعر ليوسف عليه السلام أنك لم تشهر عدل الكلمات في باحة العصر، في حين أن القرآن الكريم يقول: "قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ"، فكان بذلك يوسف أرقى رمز للعدل الإنساني في زمن القحط والمجاعة، بل وإن ثمة من علماء الاقتصاد من يعتبره أعظم مخطط اقتصادي شهده تاريخ البشرية، ويمضي الشاعر مخاطبا يوسف بأنه لم يرجع صواع الملك، لكن الحقيقة تقول بأنه استخرج الصواع من رحل أخيه! ثم يستطرد وهو يقول له، لم تقل، هذا تأويل رؤياي، لكن الآية المائة من سورة يوسف تثبت عكس ذلك، وهو: "وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا". في الحقيقة، سبق وأن أشرنا إلى أن النص القرآني نص استثنائي، ينبغي التعامل معه بحيطة وتقديس وحذر، لكن الشاعر محمد شاكر، تعامل مع هذا النص كما يتعامل مع النصوص العادية، مما أوقعه في مطبات كثيرة، لا يمكن تبريرها ولو أولنا ما أولنا، لأن ثمة أكثر من قرينة معنوية أو لغوية تثبت أنه نص يعارض المعاني القرآنية الأصلية، اللهم إلا إذا اعتبرنا أن الشاعر لا يقصد من خلال نصه النبي يوسف عليه السلام، وإنما يعني شخصا آخر، لا سيما وأن ثمة ما يربط هذه القصة ببعض المعطيات التاريخية والواقعية المعاصرة، كما يظهر من خلال المقطع الشعري الآتي: ينزوي خلف دبَّابة حـبْـلىٰ وفضاءِ كمينٍ يرْنو لكواكبَ جـَدْلىٰ تنزوي في عـُقر الغيم تـُلملم ضْوءًا ثخينْ. ثم تأتي، خبْط عشواء، قذيفةُ ُ لـْيـلٍ تنسِفُ الجـُبَّ ، تحْجُب.. تأويلَ الحـُلم الجميلْ.
خلاصة القول، رغم أن قصيدة (يوسف في دائرة الماء) تنتظم في نطاق الشعر المنثور، فإنها جانبت السقوط في التقريرية النثرية، حتى أن القاريء العادي يخال أنها موزونة على بحر معين من البحور الشعرية، التي أرساها الخليل بن أحمد الفراهيدي، فهي إيقاعيا غنية، وما دعم أكثر ذلك الغنى الإيقاعي هو تناصها اللافت مع النص القرآني، فلا جدال إذن، في أن القصيدة جماليا تنفرد بأكثر من خصوصية، لكن على المستوى الدلالي نحت منحى، ما كان على الشاعر أن يسلكه، لا سيما وأنه يتعامل مع نص لم يكتبه بشر، مع نص موحى من الله سبحانه وتعالى إلى رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، ينطوي على أسرار وقوانين خاصة به، لم يتمكن بعد العلماء والمفسرون من إماطة اللثام عنها، فكل يوم تفاجئنا الدراسات الإعجازية بحقائق لغوية وعلمية جديدة، لم تخطر على ذهن إنسان. الهوامش: (*)- يوسف في دائرة الماء، محمد شاكر، رابط القصيدة في مجلة الفوانيس: http://alfawanis.com/alfawanis/index.php?option=com_content&task=view&id=4001&Itemid=2 1- تحليل الخطاب الشعري، د. محمد مفتاح، ص121 2- وتوضح جوليا كريستيفا هذه المفاهيم كما يلي: -النفي الكلي: وفيه يكون المقطع الدخيل منفيا كلية، ومعنى النص المرجعي مقلوبا/ -النفي المتوازي: حيث يظل المعنى المنطقي للمقطعين هو نفسه، إلا أن هذا لا يمنع من أن يمنح اقتباس (الشاعر) للنص المرجعي معنى جديدا/ -النفي الجزئي: حيث يكون جزء واحد فقط من النص المرجعي منفيا. علم النص، جوليا كريستيفا، ص78 و79 3- ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب، ينظر الفصل المخصص للنص الغائب، ص250- 280 4- تحليل الخطاب الشعري، ص125 5- المرجع نفسه، ص125- 129 6- وهي أنواع: النسخ- الانتحال، المسخ أو الإغارة، السلخ والإلمام، التشابه، والنقل وهلم جرا. علوم البلاغة، مصطفى المراغي، ص342- 346 7- علم النص، جوليا كريستيفا، ص78 بقلم/التجاني بولعوالي نص القصيدة:يوسف في دائرة الماء شعر/محمد شاكر مَوَّجتْ ذاكرتي صُورًا، تـُرعِشها الريحُ كما الظلال على صَفحة ماءْ. مَنْ رمىٰ حَجرًا ، فانـْداحتِ الأ ضْواءُ في جـُبِّ يوسفَ، العميق....؟ أيـْقظ صحـْوةَ الماءْ فتنبأ الطفلُ بالأشياءْ
وعادَ إلى غـَفوتـِه يَغرقُ في لـُجَج البقاء. مُنذ أن تـَواترَ في بَحر الحياة بألف جُبَِّ وعُزلة ٍ وإقـْصاءْ. وإنْ شرَّدَتـْهُ العناوينُ، والأسماءْ في صَحارى التاريخ لمْ تسجُدِ الشمسُ لهُ.. ولا صَلىَّ قمرٌ، شاحبٌ بعرض السماءْ. سابـِلة ُ الشارع ، قايَضُوا بالخـُطىٰ، بضاعة القلبْ وعلى قـُمْصَانهم، مِن دمِـــــــهِ تضاريسُ حِدادْ. ذلك المـُتسَكـِّعُ في سَنابله الخـُضر ِ خارجَ أسْوار "العزيز" يَحْصدُ في جلسته سنواتٍ عِجاف ويرىٰ في خزائن الحنايا يعصرُ خمْرًا لإله جديدْ. هوُ، يوسفُ، الطفل/الشيخُ بالقميص.. لا يرتدُّ بصيرًا، في سُرادق الدَّمارْ. لا يُجيدُ التأويل في غزارة الموْتِ وَرصْدِ الرّدار. ينزوي خلف دبَّابة حـبْـلىٰ وفضاءِ كمينٍ يرْنو لكواكبَ جـَدْلىٰ تنزوي في عـُقر الغيم تـُلملم ضْوءًا ثخينْ. ثم تأتي، خبْط عشواء، قذيفةُ ُ لـْيـل ٍ تنسِفُ الجـُبَّ ، تحْجُب.. تأويلَ الحـُلم الجميلْ. يا أيها الصِّد ِّيقُ .. في غـَيَاباتِ العَصْر لمْ تـُشهر عدْلَ الكلمات في باحة القصر. لم تـُرْجعْ صُوَاع المَلك من رَحـْل القهر. لم تـَقـُلْ ، هذا تأويلُ رُؤْياي.. فالرّيحُ جرتْ على حين غـدر أرْعشتْ جَلدَ الماء طـَفـَّأتْ ذ ُبالة َ الحُبِّ، في الأعماقِ فـَسَادَ العـَماء. اضف الى موقعك | طباعة | ارسال لصديق
|
- هذه التعليقات تعبر عن رأي أصحابها فقط.
- سيتم حذف التعليقات الغير اللائقة.
- نرجو اضافة الكود الأمني الموجود بالأسفل.
|
المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي مجلة الفوانيس v.1.4.6
|